Saturday, 2 June 2012

كم هو رائع ... كم هو خائن .....

(مساء أول أمس شاهدت حلقة تلفزبونية عن التعذيب, فتذكرت مقال كتبته منذ 8 سنوات, لم يكن المقال في الأساس عن التعذيب, انما نثرت بعض السطور عنه, إسمحوا لي أن أعيد نشره لكم الليلة ) نشر في صحيفة الثقافية 29/2/2004م  

************

 شي يشبه الحفيف ينبعث من داخلي أكاد أسمعه, أشعر به ينتشر رويداً رويداً حتى أصابع يدي.. آه... إنها البرودة, ما أبشعها, كم أكره الأجسام الباردة وأخافها .. وهذه البرودة أعرفها, بل عرفتها مرتين، المرة الأولى عندما وضعت يدي فوق يد طفلتي (ندى) كانت يدها باردة على نحو مختلف...أنخلع القلب وعرفت للتو أنها ميتة, والمرة الثانية عندما أوصلناه المستشفى, كان ممداً على السرير و عندما لمست جبينه كان بارداً, تماماً كبرودة ندى.. هي إذا برودة الموت, فأنفجر القلب باكياً وبردت أطرافي. ومن حينها وأنا أخاف ملامسة الأشياء الباردة, وأكره البرد. 

 ******

 اسطنبول، هذه المدينة التي تمد ضفائرها بين قارتين, كم هي فاحشة البياض وباردة. هجم الجليد على المدينة، فأغلق المطار وعطل المرور وانقطعت الكهرباء وها هي تمطر ثلجا يشبه زغب الريش, المدينة مكفنة بالبياض, والأشجار مكسوة بالجليد وتورق ثلجاً يتساقط تباعا. وهذا التوهان في الطرقات المؤدية إلى الجوامع العتيقة في اسطنبول متعة لا تفسدها سوى هذه البرودة المتسللة إلى عظامي, فكأن قلبي يضخ البرد ويبثه حولي, أفر مسرعة إلى غرفة الفندق عل رسائل مسجلة على الهاتف تزيل عني البرد وتمنحني الدفْ كالعادة, لكن اليوم غير البارحة. يا لهذا التناقض, من مدينة بومباي الخضراء الدافئة وحشود بشرية جاءت إلى المنتدى الاجتماعي العالمي الرابع تحلم بعدالة ضائعة, رافعة شعار ( إن عالماً آخر ممكناً) وتدعو إلى عولمة مؤنسنة ومؤسسات تمويل دولية أقل وحشية وانقضاضاً على فقراء العالم من دول الشمال والجنوب على حد سواء. من بومباي المكتظة إلى اسطنبول الهادئة المتشحة بالبياض كأرملة في ثوب حداد , هكذا, عندما كنت طفلة, رأيت أمي متشحة بالبياض حين مات أبي. أطل من النافذة. هناك بحر مرمرة ساكناً كتلميذ يخشى العقاب إن هو تحرك, هذا البياض, وهذا الضوء كلاهما أكثر مما ينبغي . وكم أخافهما, ترى ما الذي سيحدث لي إذا قررت الشمس ألا تغيب ولم يأت الليل؟. كم أنا متعبة وكم هي أيامي مفخخة بالألم . أتكور فوق سريري كجنين في رحم أمه, يااه كم هو جميل أن أعود إلى هناك, إلى رحم أمي حيث الدفء والطمأنينة والظلام . الرحم أول بيت يألفه الإنسان ولا يعلق في الذاكرة, من لي بشاهق أقذف منه ذاكرة آسنة, وأبدأ الرحيل نحو المجهول من جديد. 

 *******

 هذا العالم الإنترنيتي وشخوصه الإلكترونيون كم هو عجيب وساحر. صور ورسائل ترسم البسمة وأخرى تمسحها. إحدى الرسائل تقول (وردة لعبد الرحمن منيف ورحيله المباغت) وأخرى من طفلي لؤي تقول (يا ماما ما تزعليش .طائرالكنار مات) , كم أزعجني موت الأخير وآلمني موت الأول, بالتأكيد صارا كلاهما باردين. فتذكرت مارجريت المكسيكية التي قابلتها عام89 م في مدينة سراييفو قبل الدمار والحرب الفجيعة, عندما قرأت كفي و قالت: (( أنت ابنة الله You are a Child of God فهمتها بمعنى *محروسة انت بعناية إلآهية * في حياتك ترحال كثير ودموع كثيرة, ستكسبين الكثير وتنفقين كثيراً, لن تكوني غنية ولا فقيرة )), لله درك يا مارجريت كم صدقت , رغم مقولة ( كذب المنجمون). ********

 مع خبر رحيل عبدالرحمن منيف لا أدري بالضبط لماذا قفز عنوان رائعته (شرق التوسط) إلى الذاكرة, قرأتها منذ عشرون عاماً تقريبا بالإضافة إلى روائعه مدن الملح، حين عبرنا الجسر، الأشجار واغتيال مرزوق الخ. هل لأنها الرواية التي صعقتني بقضايا التعذيب في سجون القمع الوحشي ؟. التعذيب الذي مأسسته الأنظمة الشمولية وتعبقرت بتنويع أساليبه حتى صارت أجهزتها الأمنية هي الأكثر تطوراً لأنظمة متخلفة, عاجزة وفاسدة. أم هي أيضا قضــية الخيانة والتخوين بين الرفاق عند انهيار الجسد والروح معا جراء التعذيب فيكون البوح وما يليه من مآسي المطاردة والتنكيل بالآخرين, التعذيب, ياإلهي, هل الأنظمة السلطوية فقط تمارسه؟ أم الأفراد أيضاً, بعيداً عن السياسة وما شابهها, يمارسون شتى أنواعه؟؟ هل حقا نحن ضحايا أنظمة فقط, أم أيضا ضحايا أفراد لا يقلون عنفاً عن أنظمة أوكلت لنفسها مهمة هي من أقذر المهمات في التاريخ, التعذيب تراث البشرية السيئ، ها هي أدواته المختلفة من الفرس الأسباني إلى حزام العفة, جميعها اليوم معروضة في متاحف التعذيب في العواصم الأوروبية كأمستردام ولندن.

 سؤال أطرحه وأظنه مشروعا: هل يمكن أن نراهن على إسم أول نظام عربي يبني متحفاً للتعذيب ويعلن التوبة !! لا شك أن هناك أفراد ومجموعات ومؤسسات رسمية تمارس إثم التعذيب, لا فرق كل يؤديه بطريقته, ثم يشرب الجميع نخب انتصاراتهم الوهمية مخلفين ورائهم كائنات مسحوقة الكرامة والكبرياء وجثث باردة. هل حقا نحن فقط ضحايا لا جلادين؟. كثيراً ما نستعذب لعب دور الضحية ونبالغ في تصوير القهر الواقع علينا بلغو الكلام, تماما (كالعشاق المتحذلقين), كما تقول أحلام موستغانمي ( الذين استهوتهم لغة الكلام فصاروا يقسون على الحب إكراماً للأدب). لماذا ننكر على أنفسنا دور الجلادين !!. ربما بهذه الطريقة يمكننا أن نأوي إلى الفراش قريري الأعين مرتاحي الضمير كوننا الطيبين, أما الآخرون الأشرار أبناء القبح فلهم العذاب وبئس المصير.!!! 

 ******

 هل ما نقوله هو الحقيقة؟ وهل ما نراه ونسمعه ونقرأه وندركه كل الحقيقة، بعضها، قليلها أو لا شيء منها؟. رأيت رسامين عند كنيسة القلب المقدس في باريس منذ 12 عاما واحد يرسم لوحة لموديل تحمل بيد شمعة وزميله يرسم نفس الموديل تحمل باليد الأخرى لغماً . ترى من منهما يملك الحقيقة ؟! ومن لديه اليقين؟! . وقرأت مرة قصة طويلة اختصرها هنا لدلالاتها, أراد فنان أن يرسم لوحة العشاء الأخير للمسيح فجاء بأوسم شاب وظل يرسم وجهه لشهور ناقلا تقاطيعه الجميلة وملامحه السمحة لتحاكي ملامح المسيح, وعندما انتهى أراد رسم لوحة جوديس الذي خان المسيح ودل عليه فقتل بالتعذيب صلباً كما تقوا القصة, وظل الفنان يبحث عن وجه يعبرعن ملامح خائن, وظلت اللوحة غير مكتملة سبع سنوات لأنه لم يعثر على ضالته, وأخيراً أرشده الناس على شخص خرج للتو من السجن، رأه الفنان, أقتنع بملامحه وبدء برسمه.

 بعد وهلة انفجر الرجل باكياً, وذهل الفنان عندما أدرك أن الشخص الذي يرسمه في تلك اللحضة هو نفس الشخص الذي رسمه منذ سبع سنوات ليجسد وجه المسيح, كانت تقاطيع وجهه وديعة وسموحة في الماضي, وعندما خان الأمانة تغيرت مع الزمن قسمات وجهه فبانت عليه ملامح القسوة والقبح فبدى مختلفا. هكذا علينا ألا نأخذ الأمور كمسلمات, فالجمال في حياتنا قد يكون عابر, والقبح باق والعكس صحيح, ما نظنه جميل اليوم قد يغدو غير ذلك مستقبلاً, والأشياء التي أسعدتنا وأدهشتنا في الماضي قد تثير فينا الغثيان الآن, وها أنا ذا اليوم أوشك على التقيؤ لأكثر من سبب.  

*******

 يقول الشاعر العراقي الجميل، جمال الحلاق واصفا حياتنا التي تنقصها الشفافية والصدق (نحن نعيش بخوف وقلق .. نتلفت يمينا ويسارا ونعيش حياتنا كأننا نمارس العادة السرية). افتقارنا للصدق والواقعية يعد من أهم أسباب فشلنا الذريع في السياسة والحياة والحب, أنظمة محتضرة في زمن الجدران, جدار إسرائيلي هناك وجدار عربي هنا, حفر أمريكية متربصة, علاقات اجتماعية مفككة, مؤسسات زوجية مهترئة ومنها آيلة للسقوط , لكنها مستمرة لا نزولا عند رغبة المخرج فقط بل لأن الجمهور (عايز كده). تماما كهواة جمع الطوابع, هناك من يهوى جمع الزوجات سراً وعلانية, وهناك من يفاخر بجمع العشيقات, ذاك يتباهى بعدد العابرات, وآخر لم يحسم بعد من تكون أم البنين والبنات, كائنات متضخمة الأنا حد الورم, تقتات النساء كي تثبت فحولتها لا رجولتها, غابة, وجونتر جراس, الأديب الألماني الكبير بهباء يحذر, (لا تذهب إلى الغابة, فإن في الغابة غابة) . 

 ******

 لأنه كان صادقاً حد الدهشة, جاءه يوماً أحد الأصدقاء بقصيدة لينشرها في صحيفة الوحدوي عندما كان رئيساً لتحريرها, كانت القصيدة غير صالحة للنشر, سأله الصديق, ما رأيك ببحر القصيدة؟ صمت أحمد قليلاً ثم أجاب مبتسماً (لا أرى بحراً, لكنني أرى قصيدة تتقفز من بركة لبركة). ولأنه كان محباً حد الروعة، قال لي ليلة زفافنا )) عندما طلب مني القاضي أن أردد بعده (قبلتها زوجة لي) كدت أسخر منه وأقول: ماذا؟ قبلتها؟ بل قل تمنيتها وحلمت بها تزين حياتي كالقمر يزين وجه السماء)). ظننت كلامه مجرد غزل عريس لعروسه, وتمر السنون فألتقي يوماً بصديق حميم له, ذكرناه فقال (عندما أنهيتي دراستك وغادرت مصر ,خرجت معه في ليلة مقمرة, كانت السماء صافية والقمر يتوسطها, حينها باح لي لأول مرة قائلا ( انظر إلى القمر, ألا يشبه أمل؟). 

 ********

 في طريق عودتنا من تعز إلى صنعاء، كانت الشمس ساطعة وكان المطر يهطل بكسل, رأينا في السماء ثلاث أقواس قزح مرتسمة واحد فوق الأخر باتساق مدهش, هكذا بدت الأقواس خرافية التراص, ملونة كأنها بوابة الجنة ونحن نركض باتجاهها, قال لي ساعتها: (انظري، السماء تبارك زواجنا, هذا زواج مبارك). قالها بصوت خفيف كعادته, أبيع بقايا عمري وأسمعه مرة ثانية. لكنه لم يقل أيضا بأنه سيكون حلماً خاطفاً وعابر. يا الهي ..كم هو رائع ..كم هو خائن ...أرتكب الخيانة معي ملبياً نداء ربه, فتركني وحيدة والرحلة لم تكن قد بدأت بعد. 

 ******

 (كتبته ونشرته في الذكرى السادسة لوفاة أحمد طربوش)

No comments:

Post a Comment